حيدر حب الله
453
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
لعلّ راوياً ضعيفاً في الواقع قام النجاشي بتوثيقه تأثراً بأهل السنّة أو انسجاماً مع روايته مطالب يراها النجاشي صحيحةً ، فيما يراها أنصار التحفّظ هنا خرقاً واضحاً لمفهوم الإمامة الحقيقي وعدواناً عليه ، ومن ثمّ لا يصحّ أن نتحدّث عن التشكيك في تضعيفات النجاشي دون توثيقاته ولو في الجملة . بل في تقديري ، الأمر يمكن أن يذهب بنا أبعد من ذلك ، وهو أن نشكّك في الكثير من المعلومات التي تفرّد بها النجاشي ، ولو لم تكن توثيقاً أو تضعيفاً ، فإذا كان النجاشي يعتمد أهل السنّة في معلوماته ، فمن الممكن أن تكون بعض معلوماته - في غير التوثيق والتضعيف - مأخوذةً منهم ، ومن ثمّ لا يمكن العمل وفقها ؛ انطلاقاً من الذهنية التي يأخذ بها بعض أنصار الاتجاه المتحفّظ هنا . ونشرع بذكر بعض التعليقات : التعليق الأوّل : لقد افترض الناقدون هنا أنّ النجاشيَّ اعتمد على ابن الغضائري في التضعيفات ، وهو أمرٌ حتى لو ادّعاه بعض المتأخّرين لا يكفي لإثبات هذه الدعوى ، فنحن رأينا أنّ النجاشي يوافق ابن الغضائري في جملة من الموارد ، لكنّ هذه الموافقة لا يمكنها أن تُثبت الاعتماد ، خاصّة وأنّه في أكثرها لم يُشر إليه أصلًا ، فلعلّهما اعتمدا معاً على مصدرٍ ثالث . ونقصد بالاعتماد الذي نشكّك فيه ليس كون النجاشي يثق ويعتبر ابن الغضائري من مصادره ، بل كون النجاشي يبني اجتهاداته عموماً على ابن الغضائري ، كيف وقد اختلف معه في بعض الموارد ، فوثّق من ضعفه وبالعكس ، كما في جابر الجعفي وإبراهيم بن عمر الصنعاني وسليمان بن داود المنقري . وإلا لو كان هذا مؤثراً بهذه الدرجة المطلوبة هنا لكان الشيخ الطوسي غير معتمَد على تقويماته ؛ لاعتماده في غير موضع على الصدوق وابن الوليد ، ولا نعلم أنّهما أقلّ ( خطراً ! ) من النجاشي . بل لو غضضنا الطرف ، فنحن لم نتحقّق من كون مسلك ابن الغضائري مسلكاً مرفوضاً ، وقد سبق أن بيّنا هذا الأمر .